محمد سعيد رمضان البوطي

116

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

العقبة ( موضع بين منى ومكة منها ترمى جمرة العقبة ) لقي رهطا « 32 » من الخزرج أراد اللّه بهم الخير ، فسألهم : « من أنتم ؟ » . قالوا : نفر من الخزرج . قال : أمن موالي يهود ؟ قالوا : نعم . قال : أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا : بلى . فجلسوا معه فدعاهم إلى اللّه عزّ وجلّ وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن . وكان مما مهّد أفئدتهم لقبول الإسلام ، أن اليهود كانوا معهم في بلادهم ، ومعلوم أنهم أهل كتاب وعلم ، فكان إذا وقع بينهم وبين اليهود نفرة أو قتال ، قال لهم اليهود : إن نبيّا مبعوث الآن قد أطلّ زمانه ، سنتّبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم ! . فلما كلّم الرسول هؤلاء النفر ، ودعاهم إلى الإسلام ، نظر بعضهم لبعض وقالوا : « تعلمون واللّه إنه للنّبي الذي توعّدكم به يهود ، فلا يسبقنّكم إليه » . فأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الإسلام ، وقالوا : إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم ، فعسى أن يجمعهم اللّه بك ، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك . ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم اللّه عليك فلا رجل أعزّ منك . ثم انصرفوا ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل » « 33 » . بيعة العقبة الأولى وانتشر الإسلام خلال تلك السّنة في المدينة ، ولما كان العام الذي يليه ، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا ، فلقوه بالعقبة ، وهي العقبة الأولى ، فبايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على بيعة النساء ( أي على نمطها في البنود التي بايع النساء عليها ، أي إنه لم يبايعهم فيها على الحرب والجهاد ، وكانت بيعة النساء ثاني يوم الفتح على جبل الصفا بعد ما فرغ من بيعة الرجال ) وكان منهم : أسعد بن زرارة ، ورافع بن مالك ، وعبادة بن الصامت ، وأبو الهيثم ابن التيهان . وقد روى عبادة بن الصامت خبر هذه المبايعة ، فقال : كنا اثني عشر رجلا ، فقال لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا باللّه شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوني في معروف ، فمن

--> ( 32 ) كانوا ستة وهم : أسعد بن زرارة ، وعوف بن الحارث ، ورافع بن مالك ، وقطبة بن عامر ، وعقبة بن عامر ، وجابر بن عبد اللّه . ( 33 ) رواه ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن أشياخ من قومه ، وانظر سيرة ابن هشام : 1 / 428